قصص و روايات

طفل في الثامنة يقف داخل المحكمة ويقول أنا محامي أمي فتنقلب الجلسة رأسًا على عقب

أنا محامي أمي
لم تكن قاعة المحكمة في ذلك الصباح مختلفة في شكلها عن سواها من القاعات جدران خشبية داكنة أعلام ثابتة في الزوايا ساعة حائطية تصدر طنينا خافتا يذكر الجميع بأن الوقت يمضي بلا اكتراث.
لكن ما كان مختلفا حقا هو الشعور الذي خيم على المكان شعور ثقيل كأن الهواء نفسه كان ينتظر شيئا غير مألوف.

جلست القاضية خلف منصتها العالية تقلب أوراق الملف بملامح محايدة اكتسبتها عبر سنوات طويلة من العمل. أمامها صفوف من المقاعد بعضها مشغول بمحامين ببدلات رسمية أنيقة وبعضها بأشخاص عاديين يحملون قلقهم في أعينهم وأيديهم المتشابكة.
وفي الصف الأمامي جلس طفل صغير.

كان نحيف الجسد مستقيم الظهر على غير عادة الأطفال في سنه. ارتدى سترة زرقاء داكنة بدت أكبر من مقاسه بدرجة واضحة كأنها استعيرت على عجل من رجل بالغ. نظارته الطبية انزلقت أكثر من مرة على أنفه وكان كلما رفع يده ليعيدها إلى مكانها يفعل ذلك بحذر شديد كمن لا يريد لشيء أن يفسد وقار اللحظة.
اسمه لوكاس ريد.

ثماني سنوات فقط لكن عينيه كانتا تحملان ما يفوق ذلك بكثير.
إلى جانبه جلست امرأة في منتصف الثلاثينيات كتفاها مشدودتان ويداها متشابكتان بقوة فوق حقيبة جلدية بالية. كانت تحدق في الأرض وكأنها تحاول أن تخفي ارتجافها عن الجميع.
إنها إميلي ريد والدة لوكاس.

لم تكن إميلي امرأة ضعيفة.
سنوات العمل المتواصل في المستشفى نوبات ليلية طويلة ساعات إضافية تحسب بالدقائق كل ذلك صقل ملامحها ومنحها صبرا قاسيا. لكن هذه القاعة وهذا اليوم تحديدا كانا مختلفين.
اليوم لم تكن تدافع عن نفسها فقط بل عن حقها في أن تبقى أما.

على الجانب الآخر من القاعة جلس رجل ببدلة فاخرة وربطة عنق متقنة وساعة تلمع عند كل

حركة من معصمه. كان شعره مصففا بعناية وملامحه هادئة إلى حد الاستفزاز.
دانيال كروس.

رجل أعمال ناجح في مجال العقارات اسم معروف في دوائر المال وصورة مثالية على أغلفة المجلات الاقتصادية.
أمام المحكمة كان يقدم بوصفه أبا يسعى إلى مصلحة ابنه.
لكن لوكاس من مكانه الصغير كان يرى الصورة كاملة بطريقة لم يرها أحد غيره.
ضربت القاضية بمطرقتها ضربة خفيفة.

نبدأ الجلسة.
توالت الإجراءات الروتينية أسماء تواريخ أرقام ملفات كلمات مألوفة اعتادها المكان. محامي الأب تحدث بثقة مستعرضا قدرة موكله المالية واستقراره المهني والبيئة المثالية التي يستطيع توفيرها للطفل.
موكلي يمتلك منزلا واسعا دخلا ثابتا ومدارس خاصة ذات مستوى رفيع قال المحامي وهو يقلب أوراقه بثقة.
بينما تعمل الأم لساعات طويلة ما يحد من قدرتها على توفير الرعاية الكاملة.

كلمات مرتبة محسوبة تقال كثيرا في مثل هذه القضايا.
لكنها سقطت على قلب إميلي كسكــ,اكين صغيرة.
عندما جاء دورها وقفت بتردد.

تحدثت بصوت منخفض عن حياتها عن محاولاتها عن تعبها. لم تجد اختيار الكلمات القانونية ولم يكن صوتها قويا. كانت صادقة لكن الصدق وحده لا ينتصر دائما في المحاكم.
طوال ذلك كان لوكاس صامتا.
ينظر مرة إلى القاضية ومرة إلى والده ومرة إلى والدته.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى