قصص

عاد الأب مبكرًا… فتجمّد حين رأى ما أعاد الحياة إلى قلب ابنتيه

— سيدي… لم أكن أعلم أنك ستعود مبكرًا.

— أنا… عدت مباشرة،
خرج صوته قاسيًا. ابتلع ريقه وحاول مرة أخرى:
— آسف إن أخفتك. ماذا تفعلن؟
— الحديقة.
قالت وهي تحمي كلماتها كما يُحمى لهبٌ ضعيف من الريح.
— هما من دلّتاني على الزهور. إنهما بخير الآن.
فهم غابرييل الرسالة:
لا تقـ,تحم.
انحنى بعيدًا قليلًا، وجلس على مستوى عيني الطفلتين.
— مرحبًا يا صغيرتَيّ… هل يمكنني أن أنظر؟
لم تأته إجابة.
فقط نظرة جانبية سريعة، تفحص إن كان يستحق الثقة.
فتح كفه، وتركها ممدودة إلى الأعلى.

— هل تعطيني زهرة؟ أعدكما أن أعتني بها. أعدكما أنني لن أتركها تذبل.
طال الصمت.
ثم تقدّمت لارا خطوتين صغيرتين، وأسقــ,طت الزهرة في كفّه دون أن تلمسه.
لم يكن ذلك فعلًا عاديًا لطفلة في مثل سنّها، بل كان قرارًا صامتًا، اختبارًا دقيقًا للثقة.

كانت الزهرة جسرًا هشًّا، رقيقًا، لكنّه حمل فوقه ما لم تحمله كلمات كثيرة: سماحٌ أوّلي، وبداية عبور.
شدّ غابرييل على الزهرة بيده، لا بقوة، بل كما يُمسك المرء شيئًا يخشى أن يختفي إن تنفّس بقربه. شعر بأن شيئًا ما ينكسر داخله… ليس حزنًا، بل قشرة قاسية ظلّ يختبئ خلفها طويلًا.
تنفّست ريناتا بارتياحٍ واضح، وقالت بهدوءٍ لم يكن تعليميًا ولا متعاليًا، بل إنسانيًا خالصًا:

 

— هما تشعران بكل شيء… بالعجلة، بالحزن، بالغضب، وحتى بالخوف الذي لا يعرفان اسمه بعد. وعندما يتراكم ذلك، ينغلقان. أنا لا أطلب منهما شيئًا. لا أسأل، لا أضغط. أنا فقط أبقى… بلا استعجال، بلا اختفاء.
كلمة أبقى ارتطمت بقلب غابرييل بقوة.
قال بصوتٍ خافت، كأنّه يعترف لنفسه للمرة الأولى:
— أنا اختفيت.

توقّف قليلًا، كأنّ الكلمة أثقل من أن تُقال دفعة واحدة.
— اختفيت لأن النظر إليهما كان يؤلمني… كنت أرى أمهما في كل تفصيلة: في الشعر، في الضحكة، حتى في الصمت. فهربت. قلت لنفسي إن العمل سيملأ الفراغ، وإن الوقت سيفعل ما أعجز عنه.
نظر إلى الزهرة مرة أخرى، ثم رفع رأسه نحو ريناتا، وفي عينيه سؤال لا يخص الأبوة فقط، بل الحياة كلها:
— هل تعلّمينني كيف أبقى؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى