أخبار

الملياردير الذي ركع في الشارع لأجل أمّه فغيّر حياة بائعة الطعام إلى الأبد

كان هدير المحركات العالي يهز شارع بورت هاركورت المغبر قبل أن يرى أحد السيارات. بدأ الناس الذين يأكلون تحت مظلة أمارا القديمة يلتفتون نحو الطريق مرتبكين. فجأة بدت الطاولات الخشبية والكراسي البلاستيكية ودخان موقد الفحم صغيرة جدا عادية جدا أمام ما كان قادما. توقفت جيسيكا ابنة أمارا المراهقة في منتصف الخطوة والطبق في يدها.

حتى ماما هانا التي كانت في منتصف صحنها المعتاد من الأرز الجولوف واللحم تجمدت وملعقتها معلقة في الهواء. ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء طويلة ولامعة زحفت إلى داخل الحي الضيق كأنها ملوك تاهوا عن طريقهم. وقف الناس عن كراسيهم.

همس بعضهم

لمن هذه السيارات هل هو سياسي هل هناك مشكلة ما

توقفت السيارات مباشرة أمام مطعم أمارا الصغير على جانب الطريق ذلك المطعم نفسه المبني من طاولة خشبية ومبردين كبيرين ومظلة ممزقة ترفرف في الهواء. كاد قلب أمارا أن يتوقف. اشتدت قبضتها حول مغرفة التقديم ويديها ملطختان بالمرق والزيت. لم تر في حياتها سيارات بهذا الثراء تقف قريبا بهذا الشكل.

وبالتأكيد لم تكن تظن أنها جاءت من أجلها.

فتح باب السيارة الأولى. نزل رجل طويل أسمر البشرة. بدا كأنه منحوت من المال نفسه بدلة أنيقة بلون أزرق كحلي نظيف حذاء لامع مصقول وساعة في معصمه تلمع كأنها ألماس. خلفه نزل حارسان عبوسان يرمقان المكان بنظرات حادة كأنهما يحميان رئيس دولة. لم ينظر الرجل لا يمينا ولا يسارا.

مشى مباشرة نحو مطعم أمارا الصغير مباشرة نحوها.

حبس الحي بأكمله أنفاسه.

همست جيسيكا

ماما هو هو جاي لعندنا.

شعرت أمارا بضعف في ركبتيها وشرارات صغيرة ترقص في صدرها. مسحت يديها بسرعة بمئزرها لكن بقع المرق رفضت أن تزول. توقف الرجل أمامها تماما. كانت عيناه دافئتين ومليئتين بشيء غريب من الانفعال.

تنحنح مرة واحدة وقال

مساء الخير.

لم تستطع أمارا أن تتكلم. اكتفت بهز رأسها كأن شفتيها التصقتا ببعضهما. تابع هو قائلا

من فضلكم من هي أمارا صاحبة هذا المكان

ساد صمت حتى داخل المبردات. سقط طبق ما خلفهم وانكسر على الأرض. ببطء ويداها ترتجفان رفعت أمارا أصابعها

أ أنا. أنا أمارا.

زفر الرجل نفسا ثقيلا اهتز له صدره ثم قال الكلمات التي جعلت عالم أمارا يميل

شكرا لأنك آويت أمي وأطعمتها كل يوم.

انتشرت شهقات الذهول في الشارع كله كأنها موجة صوت.

ماما أي أم همس أحدهم.

رمشت أمارا سريعا

أمك من من هي أمك

وقبل أن يتكلم الرجل جاء صوت ضعيف متهدج من خلف أمارا

من فضلك من هي أمك

التفت الجميع.

إنها ماما هانا. كانت يداها ترتجفان وكاد طبقها أن يسقط من بين أصابعها. عيناها واسعتان خائفتان ومبللتان بالدموع. أسقطت جيسيكا قطعة القماش التي كانت تمسك بها. استدار الملياردير ببطء كمن يلتفت إلى شبح وتركزت عيناه في عيني هانا.

وفي تلك اللحظة بدا العالم كأنه توقف عن التنفس.

تقدم خطوة صغيرة نحوها ثم أخرى ثم أمام المطعم الصغير تماما على الطريق الترابي في بورت هاركورت جثا الملياردير على ركبته.

ركع أمام الأرملة المشردة التي كان الجميع يتجاهلها. ركع والدموع تنهمر على وجهه.

ماما صوته تشقق. أنا لم أمت. لقد نجوت.

لو هبط صاعق برق لما أحدث كل هذا الضجيج. الناس شهقوا بصوت عال. امرأة صرخت. شخص آخر همس هل هذا واقع جيسيكا غطت فمها بكلتا يديها. حبست أمارا أنفاسها. تراجعت ماما هانا إلى الخلف كأن قواها سحبت من عظامها وضعت يديها المرتجفتين على صدرها

نجوت همست.

يا ابني يا جاري انكسر صوتها وارتخت ركبتاها وتشوش بصرها. ساد صمت تام في الشارع يراقب الملياردير هذا الرجل الأنيق في بدلته. نظر الحراس إليها وعيونهم ممتلئة أسى.

قال

نعم يا ماما أنا ابنك الوحيد.

ارتجفت شفتا ماما هانا. سقطت ملعقتها. خانتها ركبتاها وقبل أن يمسكها أحد أغمى عليها هناك أمام أعين الجميع.

أمام أمارا وجيسيكا.

أمام الابن الذي ظنت أنه مات منذ عشرين سنة.

صرخت أمارا ماما هانا!

اندفعت جيسيكا إلى الأمام. تحرك الحراس بسرعة لكن الملياردير جيري أمسك بأمه قبل أن ترتطم بالأرض

أمي أمي كان يهمس وهو يطبق ذراعيه حولها بقوة.

ومع توافد الناس في صدمة ومع تجمد أمارا في مكانها وبكاء جيسيكا لم يكن أحد يعلم أن هذه اللحظة ستغير حياة الجميع إلى الأبد.

للحظة لم يتحرك أحد.

تجمع الحي كله حول المطعم الصغير كأنهم يشهدون معجزة وصدمة في الوقت نفسه.

كانت المظلة الممزقة ترفرف بهدوء فوق رؤوسهم. امتزجت رائحة الأرز الجولوف بالغبار. وكان الملياردير جيري أمه المغمى عليها بكلتا ذراعيه.

قال بصوت مرتجف

رجاء افسحوا لها المجال.

جثت جيسيكا إلى جانبها ويداها الصغيرتان ترتجفان

ماما هانا ماما اصحي أرجوكي.

وضعت أمارا كفها على صدرها وقلبها يخفق بقوة حتى كادت تسمعه في أذنيها. مسحت دموعها بطرف المئزر مرة بعد مرة لكن الدموع لم تتوقف. نظر جيري حوله بيأس

هل من ماء أي شيء بارد

أسرعت أمارا إلى المبرد الصغير حيث تحتفظ بقوارير الماء لزبائنها. كانت يداها ترتجفان وهي تفتح واحدة. ناولته القارورة فصب قليلا منها برفق على وجه أمه

ماما افتحي عينيك أرجوك. أنا هنا يا ماما.

لثوان لم يحدث شيء.

ثم ببطء شديد بدأت جفون ماما هانا ترف. خرج نفس خافت من شفتيها. تحركت أصابعها قليلا.

رمشت مرتين ورفعت عينيها مباشرة إلى وجه جيري.

جيري همست بصوت لا يكاد يسمع.

نعم يا ماما أنا. أنا هنا.

رفعت يدا مرتجفة ولمست خده كأنها تحتاج أن تتأكد أنه ليس حلما

أنت أنت حي. تشقق صوتها.

امتلأت عينا جيري بالدموع من جديد

نعم يا ماما نجوت. آسف لأن الأمر استغرق وقتا طويلا. أنا آسف آسف جدا.

تشبثت ماما هانا بقميصه وجذبته إليها كأنها تريد أن تحميه من أن يختفي مرة أخرى. كثيرون من حولهم مسحوا دموعهم. جيسيكا تشهقت بصوت مسموع. حتى أحد الحراس حول وجهه جانبا ومسح عينه.

وسط كل هذا الانفعال بقيت أمارا واقفة جامدة.

كان في صوت جيري شيء ثقيل في عينيه في قصته شيء قادر على كسر قلب. تراجعت خطوة إلى الوراء لتفسح المجال للأم وابنها.

ساعد جيري أمه لتجلس على كرسي. وقف حراسه حولهما بصمت ليبقوا الناس على مسافة محترمة.

قال جيري بهدوء

ماما ظننت أنك رحلت لكنهم وجدوك. أخبرني أحدهم

أنك ما زلت على قيد الحياة.

مسحت ماما هانا

دموعها بظاهر يدها

لكن كيف لقد دفنا تابوتا فارغا. قالوا إنك أنت ووالدك رحلتما.

ابتلع جيري ريقه وانخفض صوته

لا بد أن أشرح كل شيء.

ساد صمت آخر في الشارع. حتى الريح بدت وكأنها توقفت.

أخذ جيري نفسا عميقا ونظر إلى أمه

منذ عشرين سنة بدأ.

تتذكرين حين سافرنا أنا وأبي إلى لاغوس لشراء البضائع

هزت ماما هانا رأسها ببطء.

لم نصل أبدا قال جيري. يا ماما هاجمنا مسلحون.

همس أحد الواقفين

خاطفين

تابع جيري وعيناه تظلمان

أطلقوا النار على أبي أولا. مات في الحال. أطلقوا النار علي أنا أيضا. تركونا على الطريق يظنون أننا متنا.

انفجرت ماما هانا في موجة جديدة من البكاء وغطت فمها بيدها. اقتربت جيسيكا من أمارا وعيناها متسعتان.

لين صوت جيري والألم فيه حاد

وجدني رجل طيب سامري صالح. كنت حيا بالكاد. نقلني إلى المستشفى. فقدت الكثير من الدم وفقدت ذاكرتي. عندما استيقظت لم أعرف اسمي ولم أعرف من أين أنا ولم أعرف أن لي عائلة.

همست أمارا

يا إلهي

تابع جيري

جاء رجل إلى المستشفى أحد المتطوعين. تبناني لأن أحدا لم يكن يعرف من أكون. منحني بيتا ومنحني اسما واعتنى بي كأب حقيقي.

توقف للحظة ثم أضاف بهدوء

قالوا لي إنني وحدي بلا أحد.

انفجرت ماما هانا بكاء من جديد. وضعت جبينها على يد جيري وهي تهتز من شدة الانفعال. شد جيري أصابعها برفق.

قال

ومع مرور الوقت عادت بعض الذكريات على شكل شظايا طريق سوق أبي يبيع اليام وماما هانا تغني وهي تطبخ.

ابتسم ابتسامة باهتة وسط الألم.

لكنني لم أتذكر ما يكفي لأبحث عنك.

سألت جيسيكا بهدوء

فكيف عرفت أنها ما زالت حية

التفت إليها جيري

مؤخرا أثناء مشروع عمل في بورت هاركورت تعرف أحد الرجال علي. رجل مسن. قال إنه رأى مرة أرملة تتسول الطعام تشبه والدي الراحل تماما. وأخبرني باسمها

ارتجف صوته

هانا ماما هانا.

غطت ماما هانا فمها مجددا تبكي بهدوء.

قال جيري

بحثت عنها في كل مكان في الأسواق في الشوارع تحت الجسور. كدت أفقد الأمل

ثم نظر إلى أمارا وعيناه عميقتان

إلى أن اكتشفت أنها كانت تأتي إلى هنا تأكل هنا وأنك كنت تعتنين بها.

شعرت أمارا بغصة في حلقها.

وقف جيري وساعد أمه على الوقوف أيضا ثم استدار نحو أمارا تماما المرأة التي أطعمت أمه وآوتها وتعاملت معها كأنها من أهل البيت.

قال بصوت لين

يا أمارا

ابتلعت ريقها

نعم

قال

أنت لم تعرفي من هي ومع ذلك أطعمتها كل يوم. منحتها بيتا. عاملتها كإنسانة.

اهتز صوته وهو يتابع

لقد أنقذت حياتها ولم تكوني حتى تعرفين ذلك.

امتلأت عينا أمارا بالدموع. تشبثت جيسيكا بيد أمها بقوة. وضع جيري يده على صدره

قلبي ممتلئ بسببك. لا أعرف كيف أرد لك هذا الجميل لكنني سأفعل.

همس بعض الناس بدهشة.

هذا جزاء الإحسان راجع لصاحبه تمتم أحدهم.

وفجأة قطع صرخة عالية تلك اللحظة

ماما هانا! تمسكي! لا تسقطي!

استدار الجميع.

كانت ماما هانا قد أمسكت صدرها. تنفسها تعثر. ارتخت ركبتيها. هرع جيري نحوها

ماما!

تحرك الحراس فورا. صاحت جيسيكا

لا لا أرجوكم لا تغمى عليها مرة أخرى!

وهناك تحت المظلة القديمة وبين رائحة المرق في الهواء والغبار

الذي يدور حولهم سقطت ماما هانا مرة أخرى. هذه المرة بقوة أكبر وهذه المرة لم يكن أحد متأكدا إن كانت ستستفيق.

ابتلع الصمت الشارع بأكمله للحظات ثم انفجرت الصرخات.

ماما هانا! صرخ جيري وهو يمسك بأمه قبل أن تصطدم بالأرض.

شهقت جيسيكا تغطي فمها

ماما هي لا تتنفس جيدا.

أسرعت أمارا إلى الأمام لكن يديها كانتا ترتجفان بشدة حتى أنها لم تستطع لمس هانا.

يا إلهي يا إلهي أحدهم يساعدها!

حمل جيري أمه برفق وأسند رأسها. كان جسدها خفيفا جدا ضعيفا. عيناها تتقلبان وصدرها يكافح ليلتقط الهواء.

صرخ اتصلوا بالإسعاف!

أمسك الحراس بأجهزة اللاسلكي فورا. قال أحدهم

سيدي الفريق الطبي على بعد دقيقتين. سبق وأخطرناهم عندما أغمي عليها أول مرة. القافلة كانت مستعدة.

جيري أمه إليه صوته متحشرج

يا ماما أرجوك ابقي معي. لا تتركيني مرة أخرى. لقد وجدتك للتو.

هرعت بعض النساء من محلات قريبة ومعهن ماء بارد ومراوح يدوية وأقمشة. أمسكت جيسيكا بمروحة صغيرة تستخدم لفحم الشواء وبدأت تهوي وجه ماما هانا

أرجوك استيقظي لا تموتي أرجوك.

ركعت أمارا بجانبهما والدموع تهطل على خديها

يا رب ليس اليوم ليس بهذه الطريقة أرجوك.

ملأت رائحة المرق والدخان الجو ممتزجة بالخوف.

ترك الزبائن أطباقهم. هرول ميكانيكي من الورشة المجاورة ويداه مغطاتان بالزيت. حتى الأطفال توقفوا عن اللعب ووقفوا صامتين. بدا كأن الحي بأكمله يحبس أنفاسه.

ثم شق صوت صفارة إسعاف حاد الهواء.

التفت الجميع.

كانت سيارة إسعاف بيضاء تندفع نحوهم والغبار يتطاير خلفها. ما إن توقفت حتى قفز ثلاثة مسعفين حاملين نقالة.

افسحوا الطريق رجاء ابتعدوا صرخ أحدهم.

ناولهم جيري أمه بحذر لكن رأسها مالت جانبا فارتجف كأن أحدا طعنه.

بحذر أرجوكم إنها أمي.

طمأنه المسعف

سنعتني بها جيدا يا سيدي.

عمل المسعفون بسرعة فحصوا نبضها وضعوا قناع الأكسجين ضغطوا على صدرها ثم رفعوها إلى النقالة.

تشبثت جيسيكا بذراع أمها

ماما هل ستموت

ابتلعت أمارا غصتها

لا يا صغيرتي لا. الله لن يسمح بذلك.

لكن صوتها لم يكن يؤمن بما تقول.

التفت جيري إلى أمارا وجيسيكا بعينين مليئتين بالخوف والامتنان

رجاء تعاليا معنا.

تجمدت أمارا

نحن لكن نحن لسنا من العائلة.

هز جيري رأسه صوته حازم لكنه لين

أنتم من العائلة. من يطعم أمي هو عائلتي.

سقطت الكلمات على قلب أمارا كأنها مطر دافئ. خلال ثوان أدخل المسعفون ماما هانا إلى سيارة الإسعاف. صعد جيري دون تردد. وقبل أن تعترض أمارا مد جيري يده إليها

اصعدي قال. لن تبقي هنا وحدك.

قاد الحراس أمارا وجيسيكا إلى سيارة الدفع الرباعي خلف الإسعاف مباشرة. هرع بعض الجيران يحملون هواتفهم يصرخون

إنهم يذهبون مع الملياردير! هل كل شيء بخير أمارا اتصلي بنا!

لكن أمارا بالكاد كانت تسمعهم وسط العاصفة التي تضرب صدرها.

ضغطت جيسيكا على أصابع أمها بينما يغلق باب السيارة

ماما أنا خائفة.

أمارا إليها

وأنا أيضا لكننا سنكون بخير.

تحركت القافلة. تقدمت سيارة الإسعاف في المقدمة وصفارتها تقطع صخب المدينة. تبعتها السيارات السوداء الثلاث عن قرب. الناس توقفوا في الطريق ليتفرجوا. انحرفت الدراجات جانبا. حرك رجال المرور أيديهم بتحية وهم يشاهدون الموكب يندفع مسرعا.

ألصقت جيسيكا وجهها بزجاج النافذة

ماما هل نحن نحلم

هزت أمارا رأسها

لا يا حبيبتي هذه الحياة ترينا شيئا لم نتوقعه.

لم تستغرق الرحلة سوى دقائق قليلة لكنها بدت كأنها ساعات. أخيرا وصلوا إلى مستشفى خاص أبواب زجاجية أرضيات لامعة وحراس بزي أنيق. مكان لم تتخيل أمارا يوما أنها ستدخله زبونة فضلا عن أن تدخله ك ضيفة.

المسعفون أسرعوا بإدخال ماما هانا إلى الداخل. نزل جيري بخطوات ثابتة رغم ارتعاشه الداخلي. تبعته أمارا وجيسيكا عن قرب. في قسم الطوارئ تقدم طبيب مسرعا

ما الحالة

أجاب المسعف سريعا

امرأة مسنة أغمي عليها مرتين ألم في الصدر نبض ضعيف ربما انهيار من الصدمة.

هز الطبيب رأسه

أخلوا غرفة الطوارئ الآن.

دفعت الممرضات السرير عبر الأبواب المزدوجة.

وقف جيري يحدق في الباب حتى بعد أن أغلقوه. كتفاه متدليتان صدره يعلو ويهبط وكأنه يوجعه التنفس نفسه.

اقتربت أمارا منه

ستكون بخير إن شاء الله.

التفت إليها ببطء

أنا خائف. وجدتها الآن فقط لا أحتمل أن أفقدها مرة أخرى.

وضعت أمارا يدها بثبات على ذراعه

لديها سبب لتبقى لن ترحل.

لين شيء ما في عينيه. راقبتهم جيسيكا بصمت وشعرت أن شيئا قويا يحدث شيئا لا يشبه المصادفات العادية.

بعد ثلاثين دقيقة خرج الطبيب. هرع الجميع إليه.

دكتور كيف حالها سأل جيري بسرعة.

خلع الطبيب قفازيه وقال

هي مستقرة الآن. تمكنا من إعادتها للحالة الطبيعية.

أطلقت أمارا نفسا لم تكن تدري أنها تحبسه. صفقت جيسيكا بخفة والدموع على خديها. لكن الطبيب أكمل

أغمي عليها بسبب صدمة عاطفية. جسدها تحت ضغط منذ فترة طويلة جوع إنهاك صدمات نفسية. هي تحتاج إلى راحة وطعام وأمان.

هز جيري رأسه بسرعة

ستحصل على كل ذلك على كل ما تحتاجه.

ابتسم الطبيب بخفوت

كانت تردد اسمك عندما استيقظت.

تلألأت عينا جيري من جديد.

سألت جيسيكا

هل يمكننا رؤيتها

قال الطبيب

شخص واحد فقط الآن.

نظر جيري إلى أمارا ثم إلى جيسيكا ثم عاد إلى أمارا

يفضل أن تذهبي أنت قال بلطف. هي تثق بك. أنت من اعتنيت بها حين لم أكن موجودا.

هزت أمارا رأسها

لكنك ابنها يجب أن تدخل قبل الجميع.

اقترب جيري خطوة صوته هادئ لكنه حازم

ستفضل أن ترى الشخص الذي أطعمها والذي آواها والذي أعاد لها الابتسامة. ستفضل أن تراك أنت.

شعرت أمارا بغصة في حلقها. ضغطت جيسيكا على يدها

اذهبي يا ماما ماما هانا ستكون سعيدة برؤيتك.

بخطوات مرتجفة سارت أمارا نحو الغرفة. كان جيري يمشي إلى جانب جيسيكا وانحنى قليلا إلى مستواها

أمك امرأة نادرة يا جيسيكا همس. ليس كثيرون من الناس يفعلون ما فعلته.

أجابت بفخر

أعرف أريد أن أكون مثلها.

ابتسم جيري

وستكونين كذلك سأحرص على هذا.

رمشت جيسيكا بدهشة

تحرص على ماذا

تردد قليلا ثم قال

سأخبركما لاحقا.

في داخل الغرفة ساد الهدوء. كان صوت جهاز المراقبة يملأ المكان بصفير خافت. كانت ماما هانا على السرير شاحبة لكن مستيقظة. رفعت عينيها حين رأت أمارا تدخل وانفرجت شفتاها عن ابتسامة ضعيفة

يا ابنتي

أسرعت أمارا إليها وأمسكت يدها بحنان

ماما أخفتنا.

ضغطت هانا أصابعها

رأيت ابني رأيت جيري. ظننته حلما.

همست أمارا

ليس حلما يا ماما. هو هنا حي.

انحدرت دموع على وجنتي هانا

يا أمارا لا أملك شيئا أنا لا أحد لماذا

 

أرسلني الله إليك

مسحت أمارا دموعها برفق

لأن كل إنسان يستحق المحبة.

شهقت هانا

أعطيتني طعاما وسريرا وعائلة من غير أن تعرفي من أكون.

ابتسمت أمارا بخفة

الطيبة لا تسأل عن التفاصيل.

اشتدت قبضة هانا

لن أنساك أبدا أبدا.

فجأة فتح الباب برفق. دخل جيري ويسري دفء في عينيه لرؤيتهما معا. اقترب وجثا بجوار السرير

يا ماما عندما تقوىين سأخذك إلى البيت. لكن الآن ارتاحي. لدينا سنوات ضائعة كثيرة نتحدث عنها.

ابتسمت هانا ابتسامة ضعيفة والدموع تنهمر ثانية.

التفت جيري إلى أمارا صوته ثابت

غدا سأعود ومعي هدية من أجل كل ما فعلته. شيء كبير شيء يغير الحياة.

هزت أمارا رأسها بسرعة

أنت لا تدين لي بشيء.

ابتسم جيري ابتسامة عميقة ممتنة

أنا ملياردير يا أمارا حين ينقذ الناس عائلتي لا أرحل بهدوء.

شهقت جيسيكا بخفة. تنفست ماما هانا براحة. تجمدت أمارا في مكانها

ماذا تعني همست.

وقف جيري ببطء

ستعرفين غدا.

ثم خرج تاركا أمارا ترتجف وجيسيكا بعينين متسعتين وماما هانا تبكي بهدوء من شدة الشكر.

كان الغد قادما ولا شيء في حياة أمارا سيبقى كما كان.

كانت ليلة ما بعد إغماء ماما هانا طويلة طويلة جدا.

في شقتهما الصغيرة ذات الغرفة الواحدة لم تستطع أمارا النوم. جلست على حافة السرير ويديها متشابكتان تعيد في ذهنها كل ما حدث. كانت جيسيكا ممددة بجانبها وقد ارتدت زي المدرسة مسبقا حتى لا تتأخر صباحا. لكن النوم أبى أن يأتيها هي أيضا.

همست جيسيكا في الظلام

ماما هل تعتقدين أن ماما هانا ستكون بخير

أجابت أمارا بهدوء وهي تمسح شعر ابنتها

نعم. قال الأطباء إنها مستقرة ستكون بخير إن شاء الله.

سألت جيسيكا بصوت خافت

وماذا عن ما قاله جيري قال إنه سيجلب غدا هدية كبيرة.

تنهدت أمارا بعمق

لا أعرف ماذا قصد يا جيسيكا. لكن أيا كان ما سيأتي به يجب أن نقبله بتواضع. الإحسان لا ينبغي أن ينتظر مكافأة.

هزت جيسيكا رأسها ببطء واقتربت من أمها أكثر

ماما أنا فخورة بك.

كلماتها البسيطة شكلت شرخا في صدر أمارا

وأنا فخورة بك أيضا.

ومع ذلك حتى بعد أن نامت جيسيكا ظلت عينا أمارا مفتوحتين.

ماذا يمكن لملياردير أن يعطي بائعة طعام بسيطة على الرصيف كيس مال بيت جديد مصاريف دراسة جيسيكا أم أنه كان لطيفا بالكلام فحسب

الأسئلة لم تتوقف. ومع تعمق الليل وخفوت أصوات المدينة أغمضت أمارا عينيها أخيرا. الغد سيحمل الإجابة.

طلع النهار حارا وساطعا. كانت جيسيكا تكوي زيها المدرسي وربطت أمارا لفتها وجهزت المرق. كان القلق معلقا في الهواء كالدخان الكثيف. دفعتا معدات الطعام إلى مكان المطبخ الصغير عند الرصيف. كان الناس في الحي يوقفونهما في الطريق

يا أمارا صحيح أن الملياردير زبون عندك هل سيأتي اليوم ماذا قال البارحة

لم يكن عند أمارا سوى ابتسامة باهتة

دعونا نركز على الطبخ فقط رجاء.

لكن في قلبها كانت العاصفة تزداد.

تحت المظلة القديمة أشعلت أمارا موقد الفحم. رتبت جيسيكا الكراسي البلاستيكية. بدأ الناس بالتجمع أبكر من المعتاد. بعضهم جاء ليشتري الطعام لكن أكثرهم جاء بدافع الفضول.

همس رجل لآخر

لو رجع الملياردير اليوم شارعنا سيدخل الأخبار.

شدت جيسيكا طرف

لفة أمها

ماما أنا خائفة ومتحمسة في نفس الوقت.

همست أمارا

وأنا كذلك يا ابنتي.

في تلك اللحظة دوى هدير المحركات العميق من عند المنعطف. تجمد الجميع. استدارت الرؤوس نحو الطريق.

أسقطت جيسيكا الملعقة التي في يدها. شد القلق صدر أمارا.

كانت القافلة نفسها ثلاث سيارات سوداء تقترب ببطء وثقة كظلال تزحف فوق شارع مضيء.

صرخ الناس

رجع! الملياردير رجع! افسحوا الطريق!

قلب أمارا كان يطرق أضلاعها بقوة. توقفت السيارات أمام مطعمها مباشرة. انفتحت الأبواب.

نزل جيري أولا بثوب أبيض أنيق من نوع سيناتور يبدو كأنه من قماش سماوي. تبعه الحارسان فورا. اتسعت أعين الجميع. خفتت الأصوات.

تقدم جيري نحو أمارا بخطوات بطيئة ثابتة وتعابير وجهه هادئة لكن جدية.

سألت أمارا فورا

ماما هانا كيف حالها

ابتسم جيري برفق

هي بخير وتسأل عنك.

زفرت جيسيكا بارتياح

الحمد لله.

لكن جيري لم ينته بعد. التفت إلى أحد حراسه

أحضروه.

أومأ الحارس وأشار إلى السيارة الخلفية. فتح الباب ونزل شخص يحمل ظرفا بنيا. لكن ليس أي ظرف كان سميكا مختوما ثقيلا ومهما.

تناول جيري الظرف واستدار نحو أمارا. مال الحي كله للأمام.

ثم أمام الجميع انحنى جيري على ركبة واحدة.

ارتبكت أمارا وتراجعت خطوة

لماذا تركع من فضلك قف.

غطت جيسيكا فمها من جديد

ماما ماذا يحدث

رفع جيري يده وقال

يا أمارا لقد غيرت حياة أمي. وحين غيرت حياتها أنقذت حياتي أنا.

هزت أمارا رأسها والدموع تتجمع في عينيها

لا من فضلك لم أفعل شيئا مميزا.

قال جيري

أطعمتها وأنت بالكاد تستطيعين إطعام نفسك. آويتها ولديك غرفة واحدة فقط. حفظت كرامتها حين رماها العالم بعيدا.

تراجعت أمارا متأثرة بشدة

يا جيري هذا كثير.

هز رأسه

بل هو ليس كافيا.

فتح الظرف وأخرج منه مستندات ورفعها بحيث تراها هي ويرىها الجميع. كانت مخططات بناء ضخمة. وعلى رأس الورقة كتبت كلمات كبيرة

مطعم كايندنس فرع بورت هاركورت.

انقطع نفس أمارا. تشبثت جيسيكا بلفة أمها بكلتا يديها

ماما هل هذا هل هذا حقيقي

وقف جيري وهو يمسك الأوراق قرب صدره

لقد اشتريت الأرض بالفعل أعلن. ستبدأ أعمال البناء هذا الأسبوع. سيبنى أكبر مطعم في بورت هاركورت وسيكون باسمك أنت. المرأة التي أعاد لطفها الحياة لأمي.

صرخ الناس من شدة الصدمة.

أغمي على امرأة من بين الحضور.

رجل بالغ صاح الله حي!

انفجرت جيسيكا بالبكاء

ماما سنملك مطعما كبيرا!

ترنحت أمارا إلى الخلف جسدها كله يرتجف

لا لا يا جيري هذا كثير جدا.

اقترب جيري خطوة صوته رقيق لكنه حاسم

هناك المزيد.

المزيد شعرت أمارا أن ركبتيها لن تحملاها.

أخرج جيري رزمة أخرى من الأوراق من الظرف

هذه قال من أجل جيسيكا.

اتسعت عينا جيسيكا

أنا

ابتسم جيري

ابنتك تريد أن تصبح طبيبة. سأتكفل بدراستها من اليوم حتى تصبح طبيبة.

امتلأ الشارع شهقات مجددا.

صرخ أحد الجيران

إله العجائب!

وأضاف آخر

تكاليف دراسة الطب هذا ثروة كاملة!

غطت جيسيكا وجهها وراحت تبكي بين يديها.

انهارت أمارا جالسة على كرسي بلاستيكي تهز رأسها مرارا

يا جيري لا نستحق كل هذا.

جثا جيري أمامها ثانية كما فعل من قبل

بل تستحقين قال بهدوء. الذين يعطون دون انتظار

يستحقون أن تسكب عليهم البركات بلا حدود.

بدأت أمارا تبكي بحرقة وعجزت عن الكلام من شدة الانفعال. ارتجف جسدها كله. جيسيكا بقوة.

تابع جيري

غدا صباحا سيبدأ المهندسون بتجهيز الأرض. خلال شهر واحد سيكون مطعمك الجديد جاهزا وسيسمى باسم اللطف الذي أظهرته لأمي.

اشتد بكاء أمارا. وبكت جيسيكا هي الأخرى وجهها على كتف أمها. تركهما جيري ليأخذا وقتهما. كان الحي كله يصفق ويصرخ ويرقص حولهما.

أخيرا قال جيري

لكن يا أمارا

رفعت رأسها وسط الدموع

نعم

ابتسم بلطف

أمي تريد أن تراك اليوم. قالت إنه لا بد أن تأتي معي إلى المستشفى.

هزت جيسيكا رأسها بسرعة

ماما اذهبي ماما هانا تحتاجك.

مسحت أمارا دموعها بأصابع مرتجفة

سأذهب.

مد جيري يده بأدب فوضعت أمارا يدها المرتجفة في يده. قادها نحو السيارة. همست جيسيكا من الخلف

ماما حياتنا تتغير.

نظرت أمارا إلى ابنتها وعيناها تلمعان بالدموع وقلبها مملوء بالامتنان وعالمها مملوء ببدايات جديدة

نعم يا حبيبتي كل شيء يتغير.

لكن حين صعدت أمارا إلى سيارة الملياردير كان هناك شيء غير متوقع ينتظرها بالداخل شيء لم تره قادما شيء سيلوي قلبها بطريقة لم تتخيلها شيء سيغير القصة مرة أخرى.

عندما جلست أمارا في المقعد الخلفي لسيارة جيري كان قلبها ما يزال يركض من هول ما سمعته للتو. كان صوت الهتاف والرقص في الخارج يصل خافتا من خلال الزجاج المغلق جيرانهم زبائنهم الأطفال الجميع يلوحون للقافلة كأنهم يشاهدون مشهدا من فيلم.

لكن داخل السيارة كان بانتظارها شيء مختلف تماما.

تجمدت أمارا في مكانها بمجرد أن رأته.

باقة من الورود البيضاء طازجة ناصعة ملفوفة بورق ذهبي كانت موضوعة على المقعد بجانبها. انقبض صدرها. الورود البيضاء الزهور التي كان جونسون يحضرها لها في كل ذكرى زواج. الزهور التي اشتراها يوم وعدها أن يبني لها مطعما صغيرا يوما ما. الزهور التي كان يقول إنها تذكره بلطفها.

انحبس نفسها في حلقها.

قبل أن تتكلم دخل جيري من الباب الآخر وجلس إلى جانبها. لاحظ نظراتها إلى الباقة.

قال برفق

آه هذه لأمي. تحب الزهور البيضاء.

أجبرت أمارا نفسها على الابتسام وما زالت مضطربة

إنها جميلة.

قال

نعم نقية بسيطة صادقة.

تحركت السيارة. خرج الموكب ببطء من الحي والناس يلوحون ويصفقون ويدعون. كانت أمارا تنظر إليهم من النافذة بائعة الفواكه الميكانيكي سائقي الدراجات الأطفال الذين كانوا يطلبون بقايا الطعام حتى المرأة التي سخرت من مطعمها العام الماضي كلهم يلوحون وكأن حياتها صارت حكاية خيالية.

وقفت جيسيكا في الأمام تبتسم والدموع في عينيها يداها على صدرها كأنها تحاول أن تحتفظ بهذه اللحظة في قلبها إلى الأبد.

ومع انعطاف السيارة إلى الطريق الرئيسي خفت الضجيج خلفهم وبقي صوت المحرك الناعم. ساد صمت ثقيل داخل السيارة بين أمارا و وجيري. قطع جيري الصمت أخيرا

هل أنت خائفة سأل برفق.

لم تجب أمارا في البداية. كانت تحدق في الطريق في البيوت التي تمر في البسطات التي تفتح أبوابها لليوم الجديد. زفرت بهدوء

أنا غارقة. كل شيء يحدث بسرعة كبيرة.

هز جيري رأسه كمن يفهم

أعرف لكن الطيبة لا تنتظر إذنك قبل أن تجلب معها النعم والنعم لا تأتي دائما ببطء.

نظرت أمارا إلى يديها ما تزالان تشمان رائحة المرق مغطاتين بندوب صغيرة من سنوات الزيت الساخن وتنظيف الصحون

يا جيري بدأت ببطء. أمك أصبحت مثل العائلة لنا. لم نفعل شيئا خاصا فقط فعلنا ما يجب أن يفعله البشر.

ابتسم جيري بحزن لطيف

معظم البشر لا يفعلون ما فعلته.

لم تقل شيئا.

تابع

كثيرون داسوا عليها كثيرون تجاهلوها كثيرون طردوها بعضهم رشقها بالحجارة. اشتد صوته قليلا. أما أنت فأطعمتها وآويتها وحفظت كرامتها.

شعرت أمارا بغصة من جديد

ذكرتني بنفسي أعرف كيف يكون الشعور حين تكون وحيدا.

اتكأ جيري إلى الخلف

هل تركك زوجك وحيدة أيضا

سقط السؤال عليها كصفعة.

شهقت

لا زوجي جونسون اختفى.

اختفى كرر بهدوء.

هزت رأسها

منذ ثلاث سنوات. خرج صباحا يبحث عن عمل ولم يعد بعدها. لا اتصال لا رسالة لا شيء. الجميع قالوا لي عليك أن تتابعي حياتك لكن وانكسر صوتها. هو رجل طيب طيب جدا. لم يكن ليتركني هكذا أبدا بإرادته.

لين وجه جيري بتعاطف واضح

أنا آسف.

رمشت أمارا بقوة لتطرد الدموع

جيسيكا ما تزال تصدق أنه سيعود يوما ما. وأنا أدعي أنني أصدق أيضا.

تردد جيري قليلا قبل أن يسأل

هل تعتقدين أنه ما زال حيا

رفعت كتفيها بحيرة

أدعو الله أن يكون كذلك.

عاد الصمت يخيم على السيارة.

كان الهواء مملوءا بالحزن لكنه مفعم بالأمل أيضا. ظهر مبنى المستشفى في الأفق طويلا نظيفا أبوابه الزجاجية تعكس ضوء الشمس. توقفت السيارة ونزل جيري أولا. فتح حارس الباب لأمارا.

هل أنت مستعدة سأل.

همست

لا لكنني سأدخل مع ذلك.

ابتسم

هذا هو الشجاعة.

سارا معا في الردهة وسط ممرضات يتهامسن خلف الأقنعة حين يتعرفن على جيري. تجاهلهن واتجه مباشرة إلى غرفة ماما هانا.

قبل أن يفتح الباب توقف واستدار إلى أمارا

عندما ندخل أمي ستبكي كثيرا.

ابتسمت أمارا بخفة

اعتدت على الدموع.

فتح الباب.

كانت ماما هانا جالسة على السرير ملفوفة ببطانية. خداها ما يزالان شاحبين لكن عينيها أضاءتا عندما رأت أمارا

يا ابنتي

أسرعت إليها أمارا

يا ماما كيف تشعرين

همست هانا مبتسمة

لأن الله ما زال يحبني أنا حية.

أمسكت بيدي أمارا

لماذا أنت طيبة معي دائما من تكونين حقا

ضحكت أمارا بهدوء

مجرد طباخة تحت مظلة لا شيء مميز.

هزت هانا رأسها بحزم ضعيف

بل أنت مميزة أكثر مما تعلمين.

ثم التفتت إلى جيري

هل أخبرتها

أجاب

ليس بعد.

سألت أمارا بحيرة

تخبراني بماذا

جلس جيري وتحول وجهه إلى الجدية

يا أمارا هناك أمر مهم يجب أن تعرفيه.

توقف قلبها لحظة.

فجأة سمع طرق سريع على الباب واقتحمت جيسيكا الغرفة وهي تلهث

ماما! تبعت السيارة لم أستطع أن أبقى وحدي لو حدث شيء.

تنهدت أمارا

يا جيسيكا أنت عنيدة جدا.

قالت بفخر

ماما هانا تحتاجني.

ضحك جيري

بالتأكيد هي كذلك.

ثم عاد بوجهه الجدي

يا أمارا ما سأقوله الآن قد يبدو لا يصدق.

عقدت جبينها بقلق

ما هو

نظر إلى أمه. هزت رأسها علامة الإذن

تكلم يا بني.

عاد ينظر إلى أمارا

أنا أعرف من تكونين.

رمشت

ماذا

تابع

استعنت بمحققين خاصين الليلة الماضية. كنت بحاجة أن أتأكد قبل أن آتي هذا الصباح.

اشتد نبض أمارا

محققون لماذا

اقترب قليلا

لأنك لم تنقذي حياة أمي فقط بل أنقذت شخصا مرتبطا بك بطريقة لا تعرفينها.

شدت أمارا على يد جيسيكا

أرجوك لا تخفني. ماذا وجدوا

أخذ جيري نفسا بطيئا

زوجك جونسون.

قفز قلب أمارا. تصلبت جيسيكا في مكانها.

نظر جيري مباشرة في عيني أمارا

هو لم يهرب

 

ولم يتركك. حدث شيء آخر.

همست أمارا

ماذا حدث

خفض جيري صوته

أنا وأبي لم نكن الوحيدين الذين خطفوا قبل عشرين سنة.

قالت أمارا بحيرة

لا أفهم.

هز رأسه

المجموعة نفسها التي هاجمتنا استمرت في عملياتها لسنوات. كانوا يخطفون الرجال الذين يسافرون وحدهم رجالا ضعفاء بلا حماية.

شعرت أمارا بالبرد يتسلل إلى عظامها

ماذا تحاول أن تقول

قال جيري

يا أمارا الليلة الماضية أكدنا الأمر.

تشنجت أنفاسها

أكدتم ماذا

همس جيري بكلمات ثقيلة كأنها حجارة

زوجك جونسون اختطفه الأشخاص أنفسهم الذين اختطفوني أنا وأبي.

انفتح فم أمارا من الصدمة. شهقت جيسيكا.

ساد صمت عميق في الغرفة.

ماما ماذا يعني هذا تمتمت جيسيكا بصوت مرتجف.

لم تستطع أمارا الرد. تابع جيري ببطء

لا نعلم إن كان قد نجا لا نعرف أين هو الآن. لكننا نعرف شيئا واحدا هو لم يتركك بإرادته. لم يختر أن يختفي.

وضعت أمارا يدها على صدرها

لا هذا لا يمكن

غمرت الدموع عينيها. جيسيكا.

وقف جيري ووضع يده بلطف على كتف أمارا

أعدك بشيء اليوم أقسم على حياتي.

رفعت إليه عينيها المرتجفتين.

قال

سأبحث عنه. حتى لو كلفني ذلك كل شيء أملكه سأبحث عن جونسون. حيا كان أو راحلا سأجلب لك الإجابة.

غطت أمارا وجهها بكلتا يديها وبكت بكاء عميقا ممزقا خرج من جرح حملته ثلاث سنوات. بكت ماما هانا أيضا. وبكت جيسيكا. وابتلع جيري دموعه بصعوبة. لم يكن هذا مجرد إحسان يعود إلى صاحبه كان قدرا يكشف وحقيقة تنهض من الرماد وبداية جديدة لم تكن أمارا تتوقعها.

بعد وقت طويل حين هدأت الغرفة قليلا مسح جيري وجهه وقال

ليس هذا كل شيء.

رفعت أمارا رأسها ما تزال منهكة من البكاء

ما زال هناك شيء آخر

قال

أعمال البناء بدأت اليوم. العمال موجودون في الموقع الآن.

اتسعت عينا جيسيكا

الآن

ابتسم جيري

مع حلول المساء سيكون الأساس قد اكتمل.

صرخت جيسيكا من الفرح

شكرا يا عمو جيري!

ضحك بخفة. ثم تابع

يا أمارا ستكونين في الافتتاح بعد شهر. أمي ستقص الشريط. وابنتك ستكرم والمدينة كلها ستعرف اسمك.

انهمرت دموع جديدة من عيني أمارا.

لكن جيري لم ينته بعد

يا جيسيكا قال بلطف.

حين تصبحين طبيبة يوما ما أريدك أن تتذكري شيئا.

هزت رأسها بحماس

ما هو

قال

لم تصبحي طبيبة لأن مليارديرا دفع مصاريفك بل لأن أمك ربتك على اللطف.

وأضاف

واللطف دائما يعود إلى صاحبه.

مسحت جيسيكا دموعها

نعم يا سيدي.

تنفس جيري بعمق

وثمة أمر آخر.

مال الجميع للأمام.

قال بهدوء

تظنين أن هذه نهاية البركات لكنها مجرد البداية.

حدقت أمارا فيه غارقة في الدهشة

بداية ماذا

ابتسم

بداية عائلة

نظرت جيسيكا حولها باستغراب

عائلة من

رمقها جيري بنظرة دافئة ثم نظر إلى أمارا ثم إلى ماما هانا. وقال

ستعرفون قريبا.

في صباح اليوم التالي استيقظت بورت هاركورت على صخب غير معتاد. انتشرت الأخبار في المدينة

ملياردير يبني مطعما لبائعة طعام على الرصيف.

أرملة مشردة تلتقي بابنها بعد ٢٠ سنة.

بدء بناء مطعم كايندنس بين عشية وضحاها.

تجمع الناس قرب الموقع الذي سوى فيه عمال جيري الأرض وحفروا الأساسات. شاحنات تتحرك خلاطات الأسمنت تدور مهندسون يصرخون بالتعليمات والجيران يشيرون إلى المبنى الصاعد كأنه معجزة تنبت

من التراب.

لكن المعجزة الحقيقية كانت في قلب أمارا.

في داخلها كان أمل دفنته منذ سنوات يستيقظ من جديد. ليس لأنها أرادت ثروة أو شهرة بل لأن شخصا قويا يؤمن لأول مرة أنها تستحق جوابا وأن هذا الشخص مستعد أن يقاتل من أجلها.

وصلت أمارا وجيسيكا وجيري إلى المستشفى مبكرا. ما إن دخلوا الردهة حتى بدأت الممرضات يتهامسن مجددا

هذه هي المرأة أم الملياردير كانت تعيش عندها لابد أنها مباركة.

ابتسمت أمارا بخجل لم تعتد بعد على هذا الاهتمام.

لكن حين وصلوا إلى باب غرفة ماما هانا توقف جيري

هناك شيء يجب أن تريه قال بهدوء.

سألت

ماذا

فتح الباب بلطف.

كانت ماما هانا جالسة على السرير تبتسم بإشراقة أكبر من الأمس. لكنها لم تكن وحدها. كان هناك رجل يقف إلى جانبها. رجل طويل كتفاه منحنية من التعب عيناه لطيفتان. استدار ببطء عندما دخلوا.

تجمدت أمارا. اختنق نفسها. ارتخت ركبتيها.

قالت جيسيكا بصوت مكسور

ماما هل هذا

تقدم جيري ببطء

يا أمارا تعرفي عليه.

اقترب الرجل مترددا منفعلا غير واثق.

همس

يا أمارا

كان ذلك الهمس هو نفسه الذي سمعته في أحلامها. الصوت الذي ظنت أنها لن تسمعه يوما من جديد. وضعت يدها على صدرها وهي ترتجف

لا هذا ليس حقيقيا.

ابتلع الرجل ريقه

إنه أنا.

انفرجت شفتاها

جونسون

هز رأسه ببطء ثم انفجر في البكاء.

في تلك اللحظة أيقنت أمارا. إنه هو زوجها الرجل الذي اختفى منذ ثلاث سنوات والد جيسيكا الذي ترك حفرة في قلبها. كان حيا منهكا أنحف أكبر سنا لكنه حي.

تقدمت أمارا مترنحة وغطت فمها بيديها

جونسون أنت حي أنت حقا حي!

مد يده ثم سحبها بخجل كأنه ليس متأكدا إن كان له حق لمسها

يا أمارا أنا آسف جدا. لم أتركك. خطفوني ضربوني أخفوني. حاولت حاولت أن أعود إلى البيت.

انفجرت أمارا في البكاء وارتمت بين ذراعيه. أحاطها بقوة وبكى على كتفها.

ركضت جيسيكا نحوهم الاثنين

ماما بابا بابا أنت حي!

أغرق جونسون رأسها بالقبلات

يا طبيبتي الصغيرة لم أتوقف عن الدعاء لك.

ابتعدت أمارا قليلا ولمست وجهه بأصابع مرتجفة

أنت حقيقي لست حلما.

أومأ وهو يبكي

لم أتركك بإرادتي أبدا.

راقبهم جيري من بعيد وعيناه ممتلئتان.

قال بهدوء

حين أخبرتك أنني سأجده كان المحققون قد وجدوا بالفعل خيوطا. الليلة الماضية تأكدنا من كل شيء. وجدناه وجلبناه إلى هنا فجرا.

التفتت أمارا إليه والدموع تغمر وجهها

أنت فعلت هذا

هز رأسه بلطف

أنت أنقذت أمي وأنا أنقذت عائلتك.

عانقته جيسيكا بقوة

شكرا يا عمو جيري شكرا.

ربت على رأسها

والدك يستحق أن يرى الحياة التي تركها وراءه.

ابتسمت ماما هانا بفخر من سريرها

الله استخدم الطيبة ليجمعنا جميعا إلى البيت.

مسحت أمارا دموع جونسون

كيف أطلقوا سراحك

هز رأسه ببطء

قبض على بعض الخاطفين قبل أسبوعين. وعندما داهمت الشرطة مخبأهم وجدونا. كنت ضعيفا ومشوشا. لكنني تذكرت شيئا واحدا اسمك.

بكت أمارا من جديد وألصقت جبينها بجبينه

لقد عدت بعد كل هذه السنين عدت.

هز رأسه

لأنك انتظرتني.

خرج جيري من الغرفة ليترك للعائلة خصوصيتهم لكنه شعر بشيء يلسع قلبه ألما صغيرا حادا صامتا. كان المفروض أن يشعر بالانتصار بعد أن جمع شمل هذه العائلة لكنه شعر بشيء آخر أيضا فراغ

خفي.

في تلك اللحظة خرجت جيسيكا ووقفت بجانبه

يا عمو جيري

نعم

قالت بتفكير

أنت فرحان لنا لكن شكلك حزين شوي.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة

أنت ملاحظة مثل الأطباء.

ابتسمت بفخر.

تنهد جيري

رؤية العائلات تجتمع تجعلني عاطفيا. لسنوات طويلة لم يكن لدي أحد. أظن أنني ممتن لأيام كهذه.

هزت رأسها ببطء

ستكون لك عائلة أيضا. الله سيعطيك واحدة.

نظر إليها

حقا

نظرت إليه وابتسمت

نعم.

ابتسم بهدوء

أعتقد أنني أصدق ذلك الآن.

في الداخل كانت أمارا وجونسون وماما هانا يمسكون أيدي بعضهم. دائرة كاملة. معجزة خيطتها الطيبة. مسح جونسون دموعه

سنعيد بناء كل شيء يا أمارا. أنا لست الرجل الذي كنته سابقا لكن مع الوقت سأعود أقوى.

همست

كل ما أريده هو وجودك في البيت.

مدت ماما هانا يدها إلى جونسون

يا بني اعتن بهذه المرأة. لقد أطعمتني عندما لم يكن لدي شيء.

التفت إلى أمارا

أطعمت أمي

ابتسمت وهي تبكي

وهي أطعمت روحي أيضا.

ودخلت جيسيكا بينهم ولفت ذراعيها حول أبويها.

كانت العائلة كاملة من جديد قطعا مكسورة جمعت بلطف وداوتها الرحمة.

عاد جيري بعد قليل ومعه أخبار عن البناء لكن أمارا أمسكت بيديه وقالت

لقد فعلت أكثر من اللازم. لم تجلب البركات فقط بل أعدت زوجي إلى البيت. كيف أشكرك

نظر إليها بحنان

لا تشكريني فقط استمري في كونك أنت.

ابتسمت جيسيكا. هزت ماما هانا رأسها فخرا. وهمست أمارا بالكلمات التي حملتها في قلبها منذ البداية

اللطف دائما يعود إلى بيته.

ابتسم جيري

نعم يعود دائما.

وبينما كانت الشمس تغرب كان العمال يواصلون بناء مطعم كايندنس.

عائلة اجتمعت بعد سنوات من الحزن.

أرملة استعادت هويتها كأم.

فتاة كبر حلمها بأن تصبح طبيبة.

وملياردير وجد شيئا لم يكن يعلم أنه يحتاجه مكانا ينتمي إليه.

بعد شهر واحد من اليوم الذي هز الحي كله تحولت قطعة الأرض الفارغة عند المفترق إلى شيء لا يصدق شيء لم يتخيل أحد أن يراه يوما في حيهم الصغير.

مطعم كايندنس واجهة زجاجية ضخمة أرضيات لامعة أضواء مشرقة أبواب دوارة طاولات مصقولة موظفون بزي موحد وشعار يظهر فيه يدان تمسكان طبقا من الطعام.

كل يوم كان الناس يتجمعون فقط لمشاهدة التقدم.

كل يوم يكبر المبنى أكثر.

كل يوم يمتلئ الحي بحماسة أكبر.

وكل يوم كانت أمارا تسأل نفسها بصمت

هل أستحق حقا كل هذا

كان النهار مشمسا. الحشود كبيرة. الموسيقيون يعزفون. صفوف من الكراسي تمتد على طول الشارع. الكاميرات تعمل. المراسلون يمسكون الميكروفونات.

وقف جيري في المنتصف مبتسما بفخر. كانت جيسيكا إلى جانبه تستعد لدخول الجامعة. كان جونسون الأكثر قوة الآن يمسك بيد ابنته. ووقفت أمارا في المقدمة ويداها ترتجفان.

في الوسط كانت ماما هانا بثوب دانتيل نظيف تمسك المقص بيدين مرتعشتين المرأة التي نامت تحت الجسر يوما أصبحت اليوم ضيفة الشرف. كانت تبكي أصلا.

رفع جيري الميكروفون

اليوم نفتتح أكبر مطعم في بورت هاركورت مطعم بني تكريما لامرأة طيبتها أنقذت أمي.

ثم قال

أيها السيدات والسادة رحبوا معا بالمرأة التي كانت مصدر إلهام كل هذا السيدة هانا.

ضج الجمهور بالتصفيق والدموع.

مسحت ماما هانا أنفها بطرف لفتها ثم استدارت إلى أمارا

يا ابنتي تعالي.

تقدمت أمارا ببطء وجسدها كله يهتز.

وضعت هانا يدي أمارا فوق يديها على المقص

اليوم همست أعيد إليك ما أعطيتني فرصة للحياة.

وقطعتا الشريط معا والدموع على وجهيهما.

انفجر الحشد بالهتاف. أطلقت الألعاب النارية. ومضت الكاميرات. وأمام مئات الناس وضعت ماما هانا مفاتيح المطعم في يد أمارا.

انهارت أمارا تبكي

أنا لا أستحق هذا

أمسكت هانا كتفيها

أنت تستحقين أكثر مما يستطيع

العالم أن يعطيك.

عانقتهما جيسيكا ولأول مرة منذ سنوات شعر جونسون الذي يقف خلفهن بالفخر وبالامتنان وبأنه كامل من جديد.

مرت الشهور ثم سنة ثم سنتان.

أصبح مطعم كايندنس اسما معروفا في كل مكان. الناس يأتون من ولايات أخرى ليأكلوا فيه.

الصحف أطلقت عليه

قلب بورت هاركورت المطعم الذي بني باللطف.

وظفت أمارا أكثر من خمسين موظفا. افتتحت فروعا جديدة. غيرت حياة كثيرين كما غير اللطف حياتها هي. واستمر العمل في الازدهار سبعون مليون نايرا أرباحا سنوية.

أحيانا كانت تجلس في مكتبها تحدق في الأرقام وتهز رأسها في دهشة

كيف وصلت إلى هنا من بائعة طعام بسيطة على الرصيف

وكان الجواب دائما واحدا

اللطف.

كما وعد تكفل جيري بكل مصاريف دراسة جيسيكا في كلية الطب الرسوم الجامعية الكتب السكن وحتى السماعة الطبية. كان جونسون رغم تعافيه البطيء من

 

صدماته يحاول أن يدعمها بطريقته أيضا يواظب على العلاج النفسي يبقى في البيت أكثر ويبني ثقته بنفسه من جديد.

كان يساعد أحيانا في مكتب المطعم يتعلم العالم الجديد الذي فاته.

كانت ماما هانا تزور جيسيكا كل نهاية أسبوع في الجامعة تحمل لها الشوربات وتخبر الجيران بفخر

حفيدتي ستصبح طبيبة.

وبعد خمس سنوات صعدت جيسيكا منصة التخرج بمعطفها الأبيض.

الدكتورة جيسيكا جونسون نادى المذيع.

صرخت أمارا من مقاعد الجمهور تبكي بلا تحكم. لوحت ماما هانا بلفتها في الهواء. صفق جونسون حتى آلمته كفاه.

وأما جيري فكان واقفا في زاوية القاعة بابتسامة هادئة ناعمة. لم يقل الكثير لم يكن بحاجة لذلك. جيسيكا كانت تعرف وتشعر هي أيضا.

بعد التخرج بدأت جيسيكا تعمل في أحد أفضل المستشفيات الخاصة في البلاد بفضل تفوقها وبفضل التزكية الهادئة التي قدمها جيري خلف الكواليس.

تحولت الليالي إلى مكالمات هاتفية متأخرة.

والمكالمات إلى عشاء.

والعشاء إلى

نزهات.

والنزهات إلى شيء لم يقل صراحة لكن الجميع أحس به.

إلى أن جاء مساء هادئ في حديقة مطعم كايندنس حيث طلب منها جيري أن تلتقي به.

وصلت جيسيكا بفستان أبيض بسيط وشعرها منسدلا في تجعيدات ناعمة.

كان جيري ينتظر تحت الأضواء يديه في جيبيه أكثر توترا من أي مرة رأته فيها.

قال بلطف

يا جيسيكا دخلت حياتي بسبب اللطف ومنذ ذلك اليوم وأنت تذكرينني كل يوم بما يعنيه أن نهتم حقا بالآخرين.

اشتد نبض قلبها.

انحنى جيري على ركبة واحدة. شهقت جيسيكا.

هل تقبلين الزواج بي سأل وهو يفتح صندوقا صغيرا مخمليا.

هل تسمحين للطف أن يبني بيتا جديدا هذه المرة لنا نحن

غطت جيسيكا فمها والدموع تنفجر من عينيها

نعم! صرخت. نعم يا جيري!

ألبسها الخاتم في إصبعها المرتجفة. وانطلقت الألعاب النارية في السماء من جديد.

كان الزفاف ساحرا.

سارت أمارا وماما هانا معا لتوصلا جيسيكا إلى المذبح وهما تبكيان بصوت عال إلى درجة جعلت الضيوف يضحكون وهم يمسحون

دموعهم.

وقف جونسون في الأمام مرتديا بدلة أنيقة عيناه تلمعان بالامتنان.

كان جيري ينتظر عند المذبح يبتسم كأنه وجد أخيرا كل ما فقده يوما.

حين أعلن القس أنهما زوج وزوجة انتفضت القاعة كلها بالفرح.

أغمي على أمارا لثانيتين من شدة التأثر.

رقصت ماما هانا رغم ضعف قدميها.

بكى جونسون في منديله.

وتعانق جيري وجيسيكا كأنهما وعد بأن القدر حقيقي.

ملأ ضحك الأطفال قصرهم بعد ذلك. توأمتان ميمي وميرابيل.

كانت جيسيكا تحمل ميمي وجيري يحمل ميرابيل.

وأما أمارا وماما هانا فكانتا تتبادلان حملهما تبكيان من شدة الفرح. وقف جونسون خلفهم جميعا يبتسم رجلا أكبر سنا أكثر حكمة لكنه في النهاية عاد إلى بيته.

كانت أمارا تهز حفيدتها وتهمس

كان اللطف هو الذي جلب لنا كل هذا.

هزت ماما هانا رأسها والدموع تنساب على تجاعيد وجهها

نعم اللطف دائما يعود إلى البيت.

وفي تلك الغرفة الدافئة المليئة بالفرح والعائلة انتهت الحكاية التي بدأت تحت مهلة ممزقة عند قارعة الطريق بحب وشفاء ولم شمل وأجيال مباركة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى