
حملت دانييلا ماتيو بين ذراعيها متجاهلة احتجاجه وابتعدت بخطوات متسارعة
لكنها حتى من بعيد شعرت بنظرات بابلو تلاحقهما ورأت أو خيل إليها دمعة تنحدر على خده المتسخ
في السيارة ظل ماتيو يكرر بلا توقف كالمطرقة
لماذا تركت أخي وحده يا أمي لماذا
كانت دانييلا تقود والسيارة تهتز تحت يديها المرتجفتين كانت الساحة تبتعد خلفهما لكن وجه بابلو ظل مغروسا في ذهنها ومعه تلك الفراغات الغريبة في ذكريات يوم الولادة التخدير الصمت الاستيقاظ وماتيو بين ذراعيها وشعور غامض بالغياب كأن شيئا ما لم يكتمل
عندما وصلا إلى البيت كان ريكاردو في الفناء يسقي النباتات ابتسم عندما رآهما ثم عبس عندما رأى وجه دانييلا
ماذا حدث
لا شيء كذبت ماتيو افتعل نوبة غضب
لم تكن نوبة غضب! صرخ ماتيو وهو يركض نحو أبيه
أبي! رأيت أخي كان يبيع الحلوى في الساحة وأمي لم تسمح لي بالبقاء معه
ضحك ريكاردو لكن ضحكته ماتت فورا عندما لاحظ ارتجاف دانييلا
يا بطل ليس لديك إخوة
بلى لدي إنه يشبهني تماما قولي له أنت يا أمي
في تلك الليلة وبعد أن نام ماتيو أخيرا فتحت دانييلا ملفا قديما للأوراق الطبية أعادت قراءة كل شيء
لم يكن هناك أي ذكر لحمل متعدد
لكن ذكريات ذلك اليوم كانت مثقوبة كفيلم مقطوع
وذلك الفراغ ذلك الفراغ اللعين صار
لتبدو أفضل أمام الناس بل لتكون قادرة على أن تقول لابنها أنا أتعلم من أجلك ومن أجل نفسي أيضا وكانت دانييلا تراها وهي تحمل دفترا صغيرا وتعود مبتسمة فتشعر أن البيت لا يرمم طفلين فقط بل يرمم امرأة كانت الحياة قد كسرتها ببطء
ومع مرور الشهور بدأ البيت المتواضع يتحول من غير تخطيط إلى مكان يقصده الآخرون انتشرت القصة في الحي أولا ثم في
المدرسة ثم بين الأمهات في الأسواق حكاية طفل ضائع عاد إلى حضن أمه وحكاية امرأة فقيرة أحبت طفلا ليس من رحمها كأنه ابنها
وفي يوم ما جاءت زوجان شابان لم يحضرا بدافع الفضول بل بدافع الحاجة كانت عيناهما متعبتين وصوتهما مكسورا من كثرة الانتظار قالا لكونسويلو سمعنا قصتك ونريد أن نتبنى طفلة أكبر سنا قالوا لنا إن الأمر صعب وإنها ستتعبنا وإنها لن تثق بنا نحن خائفان لكننا لا نريد أن نؤذيها ماذا نفعل
جلست كونسويلو أمامهما لا كمختصة ولا كخبيرة بل كمن عاش الحقيقة بجلده قالت لهما ببطء لا تطلبا منها أن تثق بكما بسرعة أعطياها وقتا الطفل المجروح لا يكره الحب لكنه لا يصدقه أثبتا لها أنكما باقيا حتى عندما تخطئ حتى عندما تختبركما حتى عندما تحاول أن تدفعكما بعيدا
ثم جاءت عائلة أخرى ثم أخرى لم تعد كونسويلو تتحدث كثيرا عن تفاصيل الألم بل عن مفاتيح النجاة الصبر والاحتواء وعدم الإذلال واللغة التي تقال بها كلمة لا دون أن تصبح سكينا ومع كل زيارة كان ذلك البيت يكسب معنى جديدا لم يعد مكانا يضم طفلين فقط بل صار مكانا يتعلم فيه الناس كيف يضمون بعضهم بعضا
وفي ليلة هادئة جلس ريكاردو على حافة السرير يتأمل ماتيو وبابلو وهما نائمان كان ماتيو ينام وذراعه فوق أخيه كأنهما يخشيان الغياب حتى في النوم وكان بابلو يضم لعبة صغيرة إلى صدره لكن وجهه كان أخيرا مطمئنا
همس ريكاردو لدانييلا هل تدركين ما بدأ كسرا رهيبا صار يصنع شيئا جيدا
لم تجبه دانييلا فورا كانت تمسح شعر طفليها كليهما بيدين صارتا تعرفان معنى أن تلمس طفلا كأنك تعتذر له ثم قالت بصوت خافت لا يمحو الماضي لكنه يعلمنا كيف لا نعيده
سكتت لحظة ثم أضافت المستقبل المستقبل يمكن أن يكون مختلفا ليس لأننا ننسى بل لأننا نتعلم
مرت السنوات وكبر الطفلان قليلا ولم تعد أسئلة الناس تنتهي من يشبه من من الأكبر كيف عاد من المسؤول
لكن ماتيو كلما سئل السؤال الذي كان يدهش الجميع كان يجيب ببساطة لا يملكها إلا الأطفال الذين لم تفسدهم الحسابات
سأله أحدهم كيف عرفت بوجود بابلو كيف كنت متأكدا
وضع ماتيو يده على صدره وقال لأنني كنت أشعر به هنا القلب يعرف عندما يكون هناك من ينقص
ولم تكن تلك مجرد جملة لطيفة كانت حقيقة عاشها الجميع لأن القلب لا يكتب تقارير ولا يراجع ملفات المستشفى لكنه يعرف الفراغ عندما يكون الفراغ ابنا مفقودا أو عمرا مسروقا أو حضنا كان يجب أن يكون موجودا منذ البداية
وفي تلك العائلة التي كانت في نظر البعض غير مألوفة وفي نظر كل من دخلها واسعة بما يكفي تعلم الجميع دروسا لم تكتب في الكتب
أن الدم قد يجمع نعم لكنه لا يكفي وحده
وأن الحب هو الذي يثبت ويبقي
وأن المال قد يسهل الطريق لكنه لا يعيد ما انكسر إن غاب الضمير
وأن الحياة قد تفرق دون أن تطلب إذنا
لكن الحب عاجلا أو آجلا يجد طريقه ليجمع ما ولد ليكون معا
وفي إحدى الأمسيات عندما كانت كونسويلو تسقي شتلات الطماطم في الفناء اقترب منها بابلو وقد صار أكثر طمأنينة وأقل خوفا قال لها خالتي لو رجع في الزمن كنت ستختارينني مرة أخرى
ابتسمت كونسويلو ومسحت التراب عن يديها وقالت كنت سأختارك ألف مرة لأنك لم تكن عبئا كنت رزقا في حياتي
التفت بابلو نحو البيت حيث كان صوت ماتيو يعلو بالضحك ورائحة العشاء تتســ,لل من المطبخ ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت إذا أنا لست ضائعا بعد الآن
وكانت تلك في الحقيقة أكبر معجزة
أن الطفل الذي عاش سنوات وهو يعتقد أن وجوده خطأ تعلم أخيرا أن وجوده نعمه

