Uncategorized

اتحدث عشر لغات

«أتحدث عشر لغات»، قالت الشابة اللاتينية وهي تقف مكبّلة اليدين أمام منصة القضاء.
انفجر القاضي ضاحكًا، وقال بسخرية أمام الحاضرين:
«بالطبع… وأنا أيضًا متعدّد اللغات!»
لكن ما إن فتحت فمها، حتى تجمّد الضحك على وجهه.
لم تشهد قاعة المحكمة العليا هذا الاكتظاظ منذ سنوات. كل المقاعد كانت مشغولة، وأشخاص يقفون بمحاذاة الجدران، وصحفيون يحملون كاميراتهم المغلقة بانتظار اللحظة المناسبة لالتقاط خبر اليوم. كان الهمس الجماعي يشكّل موجة من الترقب جعلت هواء القاعة يبدو ثقيلًا.
تقدّمت فالنتينا رييس نحو منصة المتهمين، يداها مقيدتان بالأصفاد. كان صوت خطواتها يتردد في القاعة التي خيّم عليها صمت مفاجئ عندما صاح حاجب المحكمة، رايموند كوبر:
«الوقوف من فضلكم! المحكمة منعقدة.»
وقف الجميع بينما دخل القاضي هاريسون ميتشل من الباب الجانبي، يحمل بين يديه رزمة غير مرتبة من الملفات. كان رجلًا ضخم البنية، شعره الرمادي مصفف بعناية إلى الخلف، وملامحه تحمل ذلك المزيج الذي تصنعه سنوات طويلة من إصدار الأحكام: ملل متراكم، شعور بالتفوّق، ونفحة ازدراء لا تخطئها العين.
قال بلهجة آمرة وهو يلقي الملفات على مكتبه:
«يمكنكم الجلوس.»
بقيت فالنتينا واقفة بين عنصرين من الحراسة، وإلى يسارها محاميتها العامة باتريشيا ميندوزا. كانت باتريشيا امرأة في منتصف العمر، تبدو على وجهها آثار الإرهاق المزمن؛ هالات داكنة تحت عينيها، وارتجاف خفيف في يديها يشي بكثرة القهوة وقلة النوم. كانت تحمل عبء قضايا كثيرة وميزانية شبه معدومة.
أعلن كاتب المحكمة:
«القضية رقم 47B لعام 2024. الولاية ضد فالنتينا رييس. التهم: احتيال إلكتروني، انتحال هوية، ونصب مشدد.»
عاد الهمس يملأ القاعة كأمواج متلاحقة.
شعرت فالنتينا بمئات العيون تثبت عليها، تحاكمها قبل أن تُعرض أي أدلة. كانت تعرف هذا الإحساس جيدًا؛ رافقها منذ طفولتها.
نهض المدعي العام توماس برادفورد بحركات مسرحية، وعدّل ربطة عنقه كما لو أنه يستعد لإلقاء خطاب مهم. كان رجلًا نحيلًا، ملامحه حادة، ويتحدث بلهجة نخبوية تفرض الهيمنة فورًا على أي مكان.
قال بصوت جهوري:
«سيدي القاضي، نحن أمام شابة نفّذت واحدًا من أكثر عمليات الاحتيال تعقيدًا التي شهدتها هذه المحكمة.»
توقّف لحظة، ثم أخذ يسير ببطء أمام هيئة المحكمة، متابعًا:
«على مدى أشهر، انتحلت المتهمة صفة مترجمة معتمدة، وقدّمت خدماتها لشركات متعددة الجنسيات، ومؤسسات تعليمية، بل وحتى جهات حكومية.»
ثم رفع صوته قائلًا:
«تقاضت آلاف الدولارات مقابل ترجمات زعمت أنها أنجزتها بعشر لغات مختلفة. عشر لغات، سيدي القاضي!»
توقّف ثانية، ثم قال بلهجة قاطعة:
«لكن الحقيقة أن هذه الشابة لم تتجاوز التعليم الثانوي، ولا تملك أي شهادة، ولا أي اعتماد، ولا أي وثيقة تثبت امتلاكها لهذه القدرات اللغوية المزعومة.»
ساد الصمت، وتحوّلت أنظار الجميع إلى فالنتينا، التي كانت تقف هادئة على غير المتوقع، وملامحها لا تحمل خوفًا… بل شيئًا أقرب إلى الثقة.
وهنا قال القاضي بابتسامة ساخرة:
«هل لديكِ ما تقولينه قبل أن نبدأ؟»
رفعت فالنتينا رأسها، ونظرت مباشرة إليه، وقالت بهدوء:
«نعم، سيدي القاضي… أطلب فقط أن أُمنح دقيقة واحدة.»
ثم أضافت بصوت ثابت:
«دقيقة واحدة… لأتحدث.»
وعندما بدأت فالنتينا بالكلام، بلغة لم يكن أحد في القاعة يتوقعها، أدرك الجميع أن هذه القضية لن تنتهي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى